طه عبد الرحمن

43

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

أولاهما هي أن " هيوم " يخرج الأحكام الدينية من الأحكام الأخلاقية ؛ ذلك أنه يحصر الحكم الديني في الإخبار عن المغيّبات كما يكون الحكم الطبيعي محصورا في الإخبار عن المشاهدات والمحسّات ؛ ولما كان الشيء الخلقي غير الشيء الخبري ، فإذن لا يمكن أن يكون الحكم الديني حكما أخلاقيا مثله في ذلك مثل الحكم الطبيعي ، لذلك صار لا يصح أن نستنتج منه قولا أخلاقيا . والنتيجة الثانية هي أن " هيوم " يعتبر أن الأحكام الدينية لا تصلح لأن تؤسس الأحكام الأخلاقية ؛ والشواهد على ذلك متعددة ؛ منها أن " هيوم " تأثر بسلفه " رالف كادوورث " « 36 » الذي كان يستنكر قول بعضهم بأن الخير والشر متعلقان بإرادة الإله وأن طاعته خير ومعصيته شر ، قاصدا " هوبز " على الخصوص وكذلك " ديكارت " ومختلف اللاهوتيين ، وكان يذهب إلى أن الخير والشر توجبهما طبائع الأشياء ذاتها ، لا إرادة مريد ، كائنا ما كان ، إلها أو ملكا ؛ ومنها أيضا أن " هيوم " كان بصدد الرد على معاصريه من الأخلاقيين المتدينين الذين يقيمون الأخلاق على قاعدة الإرادة الإلهية ، مدعيا أنها لا تتأسس إلا على الوجدان الإنساني ، وليس ، كما يظن ، على إرادة الإله ولا على عقل الإنسان « 37 » ؛ ومنها أخيرا أنه يقول ، في عقب الفقرة من كلامه التي أتينا على ذكرها ، بأن الانتباه إلى الانتقال الغريب الذي أشار إليه من شأنه " أن يهدم كل أنساق الأخلاق الدارجة " ؛ وقد بيّن بعضهم كيف أن " هيوم " لم يكن يقصد بوصف " الدارجة " الوارد في عبارته هذه إلا ما كان مألوفا لأهل عصره في القرن الثامن عشر من الأنساق الأخلاقية ، وهي بالذات الأخلاق الدينية « 38 » . لكن يمكننا أن نورد على هاتين النتيجتين جملة من الاعتراضات نجملهما في اعتراضين جامعين ، أحدهما متعلق بالنتيجة الأولى والثاني متعلق بالنتيجة الثانية ؛ فلنأت الآن على بيانهما . 3 - 2 - 1 - اعتبار الدين بمنزلة نظرية في المغيّبات : واضح أن إخراج الحكم الديني من الحكم الخلقي يقوم على تصور لمفهوم " الدين " في غاية الضيق ، إذ يجعله أشبه بالنظرية ، وذلك من جهتين اثنتين ، إحداهما ، أن الدين - بحسب ما في

--> ( 36 ) HTROWDUC hplaR ، انظر : . 52 - 31 . pp , scihtE fo sisaB ehT dna cigoL : . N . A , ROIRP ( 37 ) انظر : . 562 - 462 . pp , eihposolihP laroM nredoM : . D . W , NOSDUH ( 38 ) انظر : . 64 . p , noitseuQ - thguO - sI ehT : . D . W , NOSDUH